المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة فتاة الشرق الاوسط


عاشق وطن
11-01-2007, 12:23 AM
فتاه من الشرق الاوسط ,,, قصة سياسيه مليئة بالعجائب

فى إحدى ضواحي عمان الراقية، ولدت أمينة داود المفتي عام 1939 لأسرة شركسية مسلمة، هاجرت الى الأردن منذ سنوات طويلة، وتبوأت مراكز سياسية واجتماعية عالية. فوالدها تاجر مجوهرات ثري، وعمها برتبة لواء في البلاط الملكي. أما أمها، فهي سيدة مثقفة تجيد أربع لغات، وذات علاقات قوية بسيدات المجتمع الراقي. كانت أمينة أصغر أخواتها – شقيقتان متزوجتان وثلاثة أشقاء آخرين – وتحظى بالدلال منذ طفولتها، فطلباتها كانت لا ترد أو تؤجل، وضحكاتها المرحة الساحرة كانت وشوشات الحبور في جنبات البيت الذي يشبه القصر.
وفي المرحلة الثانوية أوغلت فيها مظاهر الأنوثة، فبدت رقيقة الملامح، عذبة، شهية، طموحة، ذكية. لكنها كانت برغم تقاليد أسرتها المحافظة، تسخر من تقاليد الشرق وقيوده، وتحلم بالحب والانطلاق، والحرية.
وفي ثورة تقلباتها أحبت "بسام" الفلسطيني الأصل، وأطلقت تجاهه فيضانات المشاعر المتدفقة بلا حدود، أو انقطاع. لكنها صدمت بشدة عندما هجرها الى أخرى أجمل منها، وأكثر اتزاناً، وكتب لها يقول أنها أنانية، مغرورة، سريعة الغضب، شرسة الطباع. هكذا كشف لها الحبيب عن مساوئ تنشئتها، وأسلوبها الخاطئ في فهم الحياة. لأن حبها كان قوياً، جباراً، عاتياً، عصفت بها الصدمة، وزلزلت قلبها الصغير، وتملكتها رغبة مجنونة في الثأر والانتقام.
وكانت لكل تلك التصارعات آثارها السلبية على دراستها، إذ حصلت على الثانوية العامة بدرجات متوسطة، دفعتها للتفكير في السفر الى أوروبا للالتحاق بإحدى جامعاتها، وهذا تقليد متبع بين أبناء الأثرياء في الأردن.
وفي عام 1957 التحقت بجامعة فيينا، وأقامت بالمنزل رقم 56 شارع يوهان شتراوس لعدة أسابيع، قبلما يفتح القسم الداخلي أبوابه لإقامة الطالبات المغتربات.
لقد أسبغت الحياة الجديدة على أمينة سعادة غامرة، ودفئاً من نوع آخر وقد جمعتها الحجرة بطالبة مرحة في نهائي الطب – وتدعى جولي باتريك - من جوهانسبرج، ذات خبرة كبيرة بالحياة الاوروبية. وفي متنزهات المدينة الساحرة، والحرية اللانهائية لفتاة من الشرق، علمتها جولي التدخين، وحذرتها من العلاقات الجنسية مع الشباب حيث الحمل والاجهاض، وحببت اليها أسلوباً جنسياً خاصاً بالنساء، يرتقى بالمتعة الى ذروة الانتشاء، والأمان، فأقبلت أمينة على التساحق مع الفتاة الخبيرة بالشذوذ، وشيئاً فشيئاً أدمنت الفعل الخبيث حتى الثمالة، فقد رأت فيه انطلاقتها وتحررها من قيود الشرق، والخجل.
ومع انتهاء العام الدراسي الأول، وعودة جولي الى وطنها، افتقدت أمينة لسعات الخدر الجميل، فتقربت من فتاة أخرى تدعى جينفيف ووترود، وسعت لإدارة الدار لكي تشاركها الحجرة الواحدة، والشذوذ الذي تزداد جرعاته العطشى يوماً بعد يوم.
هكذا مرت سنوات الدراسة بجامعة فيينا، تصطخب بالرغبة والتحرر الى أن تحصل أمينة على بكالوريوس علم النفس الطبي (*) MEDICAL PSYSHOLOGY وتعود في أغسطس 1961 الى عمان مكرهة، تضج بالمعاندة والنفور، وتحمل بداخلها طبائع أخرى، وأحاسيس مختلفة، وآلام الهجرة الى القيود والرقابة.
وفي غمرة معاناتها وكآبتها، تذكرت حبيبها الأول – بسام – فجابت عمان طولاً وعرضاً بحثاً عنه، وهزتها الحقيقة المرة عندما علمت بزواجه من فتاته الجميلة الفقيرة، وحاصرها السهوم والملل والحقد، ولم تجد حلاً لأزمتها إلا السفر ثانية الى النمسا، بدعوى استكمال دراستها العليا لنيل الدكتوراة، عازمة على ألا تعود الى الشرق أبداً.
آني موشيه
ثلاثة وعشرون عاماً ونيف هو عمر أمينة المفتي عندما عادت الى فيينا من جديد، تحمل قلباً ممزقاً، ووجهاً شاحباً، وكراهية لموروثاتها "العقيمة"، وجسداً أنهكه صمت رجفات النشوة، واصطكاكها.
لفحتها نسمات الحرية في أوروبا، وسلكت مسلك فتياتها في العمل والاعتماد على النفس، غير عابئة بما كان يرسله لها والدها من مصروف شهري. فعملت بروشة صغيرة للعب الأطفال، وساقت اليها الصدفة فتاة يهودية تدعى "سارة بيراد"، شاركتها العمل، والسكن، والشذوذ. فالتصقت بها أمينة، وسرعان ما انخرطت معها في تيار الهيبيز، الذي انتشرت أولى جماعاته في أوروبا في تلك الحقبة، متجاهلة رغبة أسرتها في تزويجها من ابن العم التاجر الثري. وفي زيارة لأسرة سارة في وستندورف، دق قلبها فجأة بقوة لم تستطع دفعها. إنها المرة الثانية التي يخالجها ذلك الشعور الرائع المشوق، فقد كان موشيه – شقيق سارة الأكبر – شاب لا يقاوم. إنه ساحر النظرات والكلام، حيوي الشباب رائق الطلعة.
كانت تعرف أنه طيار عسكري برتبة نقيب، يكبرها بنحو سبع سنوات تقريباً، شاعري، مهووس بموتسارت وبيزيه، ولوع بالشعر الأسود ونجلاوات الشرق.
وفي نزهة خلوية معه حاولت أمينة ألا تنحرف، ولكنها
حينئذ . . حينئذ فقط . . أفرغت كل مشاعرها بين يديه . وبصدق، وضعف، اعترفت له بحبها.
هكذا خطت أمينة المفتي خطوات الحرام مع الطيار اليهودي . . وهي المسلمة. وبمسكنها في شارع شتراوس حاولت أن تنسى، أن تغسل البدن المدنس بالخطايا، أن تمحو صورة أول رجل هتك ستر عفافها وأشعرها بفورة الأنثى، لكن مطارداته التليفونية لها كانت تسحق إرادتها، وتشتت عقلها الزائغ أمام جيوش عواطفه، فتخور صاغرة.
تعددت لقاءاتهما المحرمة وهكذا مرت خمس سنوات في انحلال وترد، متناسية ما لأجله غادرت وطنها الى فيينا. وبعد جهد . . ساعدها موشيه في الحصول على شهادة دكتوراة مزورة في علم النفس المرضي – PATHOPYCHOLOGY – وهو فرع من علم النفس الطبي، وعادت أدراجها الى الأردن في سبتمبر 1966 ليستقبلها الأهل في حفاوة وفخر، ويطالبونها بإعلان موافقتها على الزواج من ابن عمها، لكنها تطلب منهم إمهالها حتى تفتتح مستشفاها الخاص في عمان.
وبينما إجراءات الترخيص للمستشفى تسير بشكلها العادي، وقع خلاف بينها وبين وكيل الوزارة المختص، فتشكوه الى وزير الصحة الذي أبدى اهتماماً بشكواها ويأمر بالتحقيق فيها على وجه السرعة. فتتشكك اللجنة القانونية في تصديقات الشهادة العلمية، وتطلب منها تصديقات جديدة من فيينا. وخوفاً من انكشاف التزوير وما يصاحب ذلك من فضيحة لها ولأسرتها، سافرت أمينة الى النمسا متخمة بالخوف، وبأعماقها غضب يفيض كراهية لبلدها.
هناك . . أسرعت الى موشيه يعاودها الحنين، غير عابئة بانكسار وطنها العربي بنكسة 1967، فكانت تعلن شماتتها بلا حرج أو خجل، إذ طفحت منها الكراهية لكل ما هو عربي، ولكل ما يمت للعرب بصلة.
وبين نتف الجليد المتساقطة في ديسمبر، كانا يعبران معاً جسراً خشبياً قديماً في المدينة، عندما استوقفها موشيه فجأة قائلاً:

آمنة . . أتتزوجينني . . ؟
دون أن تفكر أجابت وهي تحضنه في عنف:
أوه موشيه الحبيب . . نحن زوجان يا عزيزي.
أجابها بحسم ملاطفاً:
أريده زواجاً رسمياً في المعبد.
وفي معبد شيمودت . . اعتنقت أمينة المفتى اليهودية ، وتزوجت من موشيه زواجاً محرماً شرعاً، واستبدلت اسمها بالاسم اليهودي الجديد "آني موشيه بيراد".

الهجرة الى إسرائيل
على أطراف مدينة فيينا أقامت أمينة مع زوجها بشقة جديدة رائعة، تمتد من أمامها مساحات الزروع الخضراء الشاسعة، وتبدو أشجار الغابات من بعيد كأنها رؤوس أشباح تطاردها كلما خلت الى نفسها.
لقد رأت أن تنأى بعيداً عن عيون المخابرات العربية التي تصورت أنها تسعى اليها، وكرهت مجرد الخروج مشياً في نزهات خلوية وحيدة أو برفقة موشيه، وتغلبت عليها هواجس الخوف الشديد كلما التفت الى شباكها أحد المارة، وعاشت تجرع التوتر في كل لحظة، فتحيل ايامها الى كابوس يخنق حياتها، ويغرز بأظافره الحادة المستطيلة في عنقها. وكثيراً ما استيقظت فزعة صارخة باكية، تتحسس في سرعة مسدسها المحشو وتصوبه الى أركان الغرفة.
وفي صيف عام 1972، قرأت أمينة إعلاناً غريباً بإحدى الصحف، تطلب فيه إسرائيل متطوعين من يهود أوروبا للالتحاق بجيش الدفاع، مقابل مرتبات ومزايا عديدة مغرية. وابتهجت المرأة التعسة، إذ تصورت أنها عثرت على الحل المثالي لمعاناتها، وأخذت تعد العدة لموشيه لإقناعه بالفكرة، خاصة وأنه سيحصل على جواز سفر إسرائيلي، ومسكن في إسرائيل، وأنها بمرافقته الى هناك ستودع الخوف الى الأبد.
لكن موشيه الذي كان يسعى للعمل بإحدى شركات الطيران المدنية عارض الفكرة، ورفضها، بدعوى أن إسرائيل والعرب في حالة حرب لن تهدأ حتى تشتعل، طالما أن هناك أرضاً محتلة وشعوباً عربية ثائرة.
ومع إلحاحها المتواصل ليل نهار، تقدم موشيه بأوراق الى السفارة الإسرائيلية، وفي نوفمبر 1972 كانا يطيران بطائرة العال الى إسرائيل.
حظيت أمينة – آني موشيه – باستقبال أكثر من رائع في مطار اللد، استقبال تحير له موشيه كثيراً وظن لأول وهلة أن زوجته إما أن تكون شخصية مرموقة ومعروفة في عمان، أو أنها ممثلة إسرائيلية مشهورة.
وابتسم في سعادة وهو يلمح مدى بهجتها وفرحها الطفولي بالوطن الجديد، وبالمسكن المريح في ريشون لتسيون المعد من الخشب على طراز الريف الانكليزي.
استدعيت أمينة بعد أيام قليلة الى إحدى الجهات الأمنية، حيث سئلت مئات الأسئلة عن نشأتها في الأردن، وعائلتها، ووظائف أقاربها ومعارفها، وعن كيفية تعارفها وموشيه، وزواجهما، فأجابت في سرد طويل.
سئلت أيضاً عما تمثله إسرائيل بوجدانها، وسئلت عن مشاعرها تجاه الاردن، والفلسطينيين، فأقرت بأنها تكره منظمة التحرير، وكل المنظمات الارهابية الفلسطينية، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندما لم يقتلهم جميعاً في الأردن، فهم يكرهون الأقلية الشركسية في الأردن، وضربوا بيوتهم، وأتلفوا ممتلكاتهم، ظناً منهم أن عمها – اللواء بالبلاط الملكي – كان وراء مذابح أيلول 1971، وأحد مرتكبيها.
أُثنى على المواطنة اليهودية الجديدة، وأعيدت الى منزلها على وعد بتوفير عمل مناسب لها في أقرب فرصة.

البحث عن المستحيل
أخضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبة رائد طيار في سلاح الجو الاسرائيلي. وفي آخر يناير 1973 طار بطائرته الـ سكاي هوك باتجاه الجبهة السورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له، واعتبر مفقوداً منذ تلك اللحظة لأن سوريا لم تعلن عن أسر الطيار الاسرائيلي كما كان يحدث، لكنها أعلنت بأن الطائرة انفجرت في الجو وقائدها بداخلها.
لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة تصرخ صرخات هستيرية لا تتوقف. وفي عيادة "كوبات حوليم هستدروت" للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها، أو لنقل إن صدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت.
وقبعت خلف زجاج حجرتها تنظر الى السماء، تزوغ نظراتها أحياناً، وأحياناً أخرى تتبع العصافير في طيرانها ولهوها.
وبعد شهر ونصف تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك في البيان السوري، وبأن موشيه ما يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات. فهوي طيار ماهر وقدراته عالية جداً.
وفي منزلها - وكانت برفقتها إحدى الأخصائيات النفسيات – كانت تحدث نفسها نهاراً بصوت مسموع، وفي الليل يسمع لها أنين خافت مليء بالوجع، هو مزيج متهالك من مشاعر الحسرة والضياع.
لقد صبت جام غضبها على العرب الذين أرهقوها في الأردن، وطاردوها في النمسا، وضيعوا حلمها في الاستقرار بإسرائيل.
إنهم آفة مستقبلها المظلم الآن، وسبب نكبتها وفجيعتها في زوجها الشاعري المهذب. ولأنهم هدموا حياتها كلها، تمنت لو أنها تستطيع الانتقام، فها هي وحيدة يائسة بين أناس لا تعرفهم، بل وتجهل لغتهم العبرية وعاداتهم وطقوسهم. وعمداً تناست أنها هي التي دفعت بحياتها الى مستنقع الهاوية، عندما تزوجت من يهودي، ودفعته للهجرة الى إسرائيل خوفاً على حياتها، فقذفت به الى مصير مجهول، مماثل لمصيرها.
وقبلما يحطمها الانتظار ويعتريها الجنون، تقدمت بطلب الى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر الى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها.
وما هي إلا أيام قليل حتى طارت بجواز سفرها الاسرائيلي الى فيينا، فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم عدة أيام حاولت خلالها أن تتنسم عبير الحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً بأطراف العاصمة. وفي الشقة التي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعد والستائر والوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه واسطواناته وأحذيته.
مجنونة تلك المرأة الملتاعة، التي لفظتها أرجوحة الثمالة الى جب الهاوية، فدوت صرخاتها تتردد في الأعماق لهفى الى الضياء والأمان، ويبث الصدى في شقوقه ألم الإنسان وظلمه لنفسه.
وبصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغاد الشقة، وحملت أمينة حقائب حزنها وتوجهت الى المطار. وبجواز سفرها الأردني طارت على أول رحلة الى بيروت.
وشارع الحمراء – أشهر شوارع بيروت - نزلت بأحد الفنادق. وفي رحلة تجوالها تعرفت على سيدة لبنانية - أردنية الأصل - تدعى خديجة زهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرب اليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة بحي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها، وتسقط أخباره من الفلسطينيين ذوي الكثافة بالحي. وبعد رحلات عديدة بين بيروت ودمشق، فشلت أمينة في الوصول الى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قتل لا محالة. وغادرت بيروت الى فيينا تنخر بعقلها أحزان تقترب بها الى حافة الجنون، وتخنقها عبرات الأسى والغربة، والفزع.

في المصيدة
في شقتها بفيينا، أيقظها اتصال هاتفي من تل أبيب، وفي اليوم التالي استقبلت ثلاثة رجال عرفت منهم أنهم ضباط إسرائيليون، مهمتهم إنهاء إجراءات الإرث الخص بها، دون إثارة مشاكل مع أسرة زوجها أو الجهات الرسمية سواء في النمسا، أو في إسرائيل.
كان ميراثها وحدها مع التعويض يربو على النصف مليون دولار، مع الشقة الرائعة في ريشون لتسيون، وضمانات حماية وأمن فوق العادة.
لقد كان المطلوب منها أن تتعاون معهم لقاء ذلك، وتنفذ ما سيطلب منها بلا تردد. فبقياسات المخابرات، تعد أمينة المفتي كنزاً ثميناً لا يقدر بمال. فهي امراة عربية فقدت وطنها وأهلها، وتعيش في وضع نفسي سيء مليء بالخوف، ولا مأوى لها سوى في إسرائيل. لكل تلك العوامل كان لا بد من استغلالها واستقطابها، بقليل من بث الكراهية في نفسها لهؤلاء العرب الذين قتلوا زوجها وقد كان يمثل لها الأمن والحماية، وبالضرورة هي بحاجة ماسة الى الأمن والحماية من بعده.
لقد كانت رؤيتهم على صواب، فأمينة المفتي التي تحمل الجنسية الأردنية، والنمساوية والاسرائيلية، لم تكن بحاجة الى كل هذا التخطيط والتمويه لجرها الى عش الجاسوسية، والعمل لصالح الموساد ضد وطنها وشعبها.
إنها غارقة في الضعف، واليأس، والضياع. وبعدما باعت الدين والوطن فهي لا تملك أثمن منهم لتبيعه.
يقول الكاتب الأديب محمد حسين الألفي: (هناك دراسات علمية أجريت مؤخراً، كشفت عن نتائج سوف تقلب تفكيرنا رأساً على عقب، فقد ظهر أن الخيانة في الدم، بمعنى، أن الناس يولدون والخيانة في دمهم . . أحد مكونات الدم) (*).
ومنذ البداية – لم تعر أمينة المفتي للشرف انتباهاً، إذ خلعت ثوب الشرق المحتشم، واستبدلته بغلالة الغرب عن طوع ورغبة. نازفة دماء عروبتها، وعقيدتها، وعفتها. لذا لم يكن من الصعب على الضباط الثلاثة إخضاعها، مستغلين ضعفها الإنساني ووحشتها، عازفين على أوتار كراهيتها للعرب، وللفلسطينيين على وجه الخصوص. إن الجاسوسية في عرف جهزة المخابرات لا تقر بمبدأ الرحمة، ولا تستجيب بأي حال لنداءات الضمير. إنه عالم عجيب مثير، يفتقد العواطف، ولا تصنف المشاعر تحت سمائه. وفي دهاليزه المظلمة الغامضة، توجد هناك دائماً مساحة ضيقة من الطموح والجنون، وبقدر ما لدى الإنسان من رغبة محمومة في تحقيق احلامه، وتوهماته، تعميه الحقيقة المرة أحياناً عن معالم الطريق ويتحول لمخلوق مبصر يتحسس الخطى دونما توقع لنواميس القدر.

فالنفس البشرية ما تزال تمثل لغزاً محيراً عجزت العقول عن تفسير بعض جوانبه، ولذلك، لا نندهش أمام تقلبات البشر، وجنوح العقول، وانحرافات الأمزجة والسلوك.
تلك هي النفس البشرية ، لغز الألغاز، سرها لا يعلمه إلا خالقها سبحانه وتعالى.
هكذا سقطت أمينة المفتي في مصيدة الجاسوسية، وأسلمت قيادها للضباط الثلاثة، الذين أقاموا لها دورة تدريبية مكثفة استغرقت شهراً وأربعة أيام في شقتها بفيينا، تعلمت أثناءها أساليب التجسس المختلفة من تصوير، وتشفير، وتلقط الأخبار، وكيفية الالتزام بالحس الأمني، والتمييز بين الأسلحة.
دربوها أيضاً على كيفية تحميض الأفلام، والهرب من المراقبة، واستخدام المسدس. واستقدموا لها من إسرائيل خبيراً في تقوية الذاكرة، وتخزين المعلومات والأرقام دون نسيانها. فكانوا يعرضون عليها مشهداً من فيلم سينمائي، ويطلبون منها الإجابة:
كم طبقاً كان على المائدة؟ ما لون ستائر الشباك؟ كم لمبة بالنجفة؟ كم عدد درجات السلم؟
أجادت آني داود دورتها الأولى في التجسس، وأصبحت أكثر إصراراً على الانتقام والتحدي، وعمل المستحيل للثأر لزوجها الذي فقد بالقرب من الجولان – والجنوب اللبناني، إنها تريد تأكيد حبها لموشيه، من خلال حبها للعمل مع إسرائيل ضد العرب. ولم تعد تزعجها كثيراً هلاوس الليل عندما تحلم به يسعى في الجبال ممزق الثياب، كث اللحية، غائز العينين، يناديها أن تنقذه. وكثيراً ما ترى جسده ممزقاً في قطع صغيرة، تلتهمها فئران الخلاء.
وغادرت فيينا الى بيروت هذه المرة . . لا للبحث عن زوجها، وإنما للانتقام له، مهمتها المحددة تقصي أخبار رجال المنظمات الفلسطينية، ورجال المقاومة الذين يؤرقون أمن إسرائيل، ويحيلون ليلها الى نهار لشدة القصف . . والتفجيرات الفدائية.
كانت أيضاً مكلفة بالتحري عن مراكز إقامة قادة المقاومة، والطرق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى الأرض المحتلة، أيضاً - التغلغل داخلهم لمعرفة أعداد الفدائيين، وتدريبهم، وتسليحهم. ومدى مهارتهم في التخفي والمناورة، ومخازن الأسلحة والإعاشة.
وليمة فسق
وفي بيروت، استأجرت شقة بإحدى بنايات الروشة، أجمل مناطق بيروت، حيث ترى الشاطئ المتعرج برماله البيضاء التي يتقاذفها البحر على ضفاف اليابسة، وهو المشهد الذي وصفه الشاعر الفرنسي "لامارتين" بقوله: إن الطبيعة هنا . . بل كل شيء حولي أسمى من الخيال. لقد حلمت بجنة عدن . . لا . . بل لقد رأيتها". من شرفة شقتها كان أمامها البحر اللانهائي، وبقعتان من الصخور القاسية، هما صخور الروشة الشهيرة التي تكسر تلك اللوحة الناعمة وتزيدها جمالاً. وعلى بعد خطوات منها يقع مقهى الدولشي فيتا أشهر مقاهي بيروت، حيث المكان المفضل للفنانيين والمثقفين والجواسيس والسياح. كان الشيء الوحيد الذي يضايقها، هو انقطاع الحرارة عن التليفون. لذلك . . زارت صديقتها الأردنية خديجة زهران، وطلبت منها المساعدة. في الحال اتصلت خديجة بمانويل عساف موظف التليفونات، الذي ذهب بنفسه الى أمينة في اليوم التالي، ليؤكد لها أن المنطقة تعاني من بعض الأعطال بسبب تجديدات بالشبكة، ووعدها بأنه سيسعى في القريب للتوصل الى حل. منحته خمسين ليرة ليهتم بالأمر، ولكي لا ينسى . . منحته جسدها أيضاً. إذ وجدت فيه صيداً سهلاً تستطيع من خلاله التوصل لتليفونات وعناوين القادة الفلسطينيين. لم تندم عندما باعت الدين والوطن والأهل. فلم تجد غضاضة وهي تبيع نفسها لمانويل، الذي خر مستسلماً أمام امرأة شابة بعينيها نداءات جوع، تفوح من جسدها رائحة الأنوثة والرغبة؟ لقد شلت إرادته وأذهبت بعريها عقله، وحاصرته فلم يعد يملك حيلة للفرار. وأقبل عليها في شراهة ونهم، باعتقاده أنه أوقع بامرأة ظمأى. . بينما تصرفت هي كجاسوسة محترفة، بين أحضانه بدت في أقصى حالات الضعف، لكنها كانت أبعد ما تكون عن الإحساس بالمتعة. هكذا تفعل النساء في عالم المخابرات والجاسوسية . . فالجنس عندهن وسيلة فقط لا هدف.
صدمت أمينة بشدة عندما تبين لها أن مانويل لا يملك ما تريده، فهو مجرد موظف صغير لا يملك قراراً. فلم يتملكها الإحساس بالندم أو الحسرة، بل أقنعت نفسها بأنها فشلت في تجربة أولى . . وحتماً ستنجح في مرات مقبلة. حاول مانويل عساف الوفاء بوعده لتتوطد علاقته بالمرأة النارية، فلم يستطع لأن رئيسه في العمل – مارون الحايك – بيده كل شيء . لذلك . . صارحه بما حدث، واصطحبه الى شقة أمينة داود المفتي. كان مارون الحايك متعدد العلاقات النسائية، يسعى خلف نزواته ومغامراته، منشغل بالتجسس على المحادثات التليفونية بين نساء المدينة، تستهويه لعبة المطاردة والبحث عن صيد جديد. وبغريزة الأنثى التي لا تخيب، أيقنت أمينة ما بنفسه، واثقة من كنز معلوماته عن الزعماء الفلسطينيين في بيروت. لذلك تركته بتناول معها وليمة فسق أتخمته، وأحاطت عقله بسياج من غباء. وبينما الجسد المنهد ساكناً . . أجاب عن أسئلتها . . وأطلعها – بعد عدة ولائم – على التليفونات السرية للمنظمات الفلسطينية، ولزعماء الجبهات وعناوين إقامتهم بحي الريحانة الشهير. وبواسطة صندوق بريد ميت، صبت أمينة كل ما تفوه به مارون في خطاب من عدة صفحات، تسلمه عملاء الموساد في بيروت. لتجيئها الأوامر بعد ذلك بالتحرك دون انتظار. فالمطلوب منها هو الحصول على القوائم السرية لرجال المخابرات الفلسطينية "رصد" في أوروبا وصفاتهم. ولن يتاح لها ذلك إلا من خلال مكتب منظمة التحرير الفلسطينية – مكتب ياسر عرفات شخصياً، أو مكتب رئيس جهاز المخابرات علي حسن سلامة المطارد في كل مكان في العالم، والذي أطلقت عليه جولدا مائير لقب "الأمير الأحمر"، لأنه بطل عملية ميونيخ التي قتل فيها أحد عشر إسرائيلياً

AL Pacino
11-01-2007, 10:58 AM
اسمح لي على الاضافه

أمينة المفتي " أخطر جاسوسة عربية للموساد " الحلقة الثامنة

--------------------------------------------------------------------------------

الحلقة الثامنة

خوفاً من المطاردة


وبداخل كهف السعرانة، شرع العقيد أبو الهول في استجوابها.

ورصت عدة مقاعد خشبية على شكل نصف دائرة يتصدرها القائد، بينما جلست أمينة على الأرض بلا قيود في وضع القرفصاء، حيث بدأت تعترف بقصة جسقوطها في شرك الجاسوسية منذ البداية . . البداية الأولى في فيينا. وكانت خائرة تماماً لا تملك إلا قول الصدق . . كل الصدق أملاً في النجاة.

وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 12 أيلول "سبتمبر" 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكان استجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة " أبو داود" كما يلي:

اسمك بالكامل. . ؟

أمينة داود محمد المفتي.?

جنسيتك . . ؟

أردنية.?

تاريخ ومحل ميلادك . . ؟

بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.?
والدكتوراة . . ؟

مزورة . . فأنا لم أكمل دراساتي العليا.?

أين ومتى تم تجنيدك في الموساد . . ؟

أنا لم أجند . لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.

كيف . ؟ نريد كل التفاصيل.

كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراة في فيينا. ولما? فشلت في ذلك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبر لصديقتي النمساوية سارة، وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.

تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة . . ؟

كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه، ولم أكن أعلم أن ذلك حراماً لأنني غير متدينة.

ألم تشكين في نواياه وهو يلح في الزواج منك . . ؟

لا . . مطلقاً . . فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعادي? .

هل يعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي . . ؟

لا . . فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي في الزواج من نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك . . هربت مع موشيه الى إسرائيل خوفاً من أن تطاردني أسرتي.

وما هي قصة هروبكما هذه . . ؟

جائني موشيه ذات يوم - وكنا نعيش في وستندورف قبلما ننتقل الى فيينا - وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن. ولما قرأت الصفحة لفت انتباهي إعلان بارز الى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريين أوروبيين من اليهود للهجرة الى إسرائيل. وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة، فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرف مدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار، وكلما وجدته كذلك ازددت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويل كان قد حدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.

وبعدها بأيام انتقلنا الى شقتنا الجديدة بفيينا، إلا أنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة، وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق على مناقشة فكرة الهجرة لإسرائيل، سألني عن قناعتي فأجبته بأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلب الهجرة لأنني مسلمة . . وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟

فقال بأن تتهودي . . ولما وافقت اصطحبني الى معبد شيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية.

قد استدل عليه

هل كنت تكرهين كونك عربية . ؟

كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.?

هل عدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن. . ؟

ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر . . أو أنه كان? يرغب العمل كطيار مدني .

هل موشيه كان يهودياً متديناً . . ؟ وهل كان يحب إسرائيل. . ؟

لا . . لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب الى? المعبد. لكنه كان يحب إسرائيل ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها.

وسارة . . ؟

كانت مجنونة بإسرائيل، وتصطاف بها كل عام.?

هل استدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما لإسرائيل . . ؟

لا .?

? وهل حدث ذلك في إسرائيل . . ؟

نعم . اصطحبني ضابطان الى جهة أمنية لا أعرفها في تل أبيب.

ماذا حدث معك هناك . . ؟

برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهم ولا يبغون عدواناً على أحد، وأنهم يسعون الى السلام.

هل اقتنعت . . ؟

كنت أقول لهم ذلك . . لكنني لم أكن مقتنعة بما يقولون. "كانت تكذب . . فهي نسيت عروبتها وتحولت الى يهودية قلباً وقالباً . . ".

كم مرة استدعيت لمكتب الأمن . . ؟

مرة واحدة . . لكن ضابطاً اسمه أبو يعقوب كان يزورنا دائماً ويجلس معي كثيراً ليؤكد تبريراته.

ما هو اسمك الرسمي في أوارقك الإسرائيلية . . ؟

آني . . آني موشيه بيراد.?

متى خبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيراد . . ؟

في 11 أبريل 1972.?

من أخبرك . . ؟

أبو يعقوب.?

هل قال لك أنه مات . . ؟

لا . . أخبرني أن السوريين أسقطوا طائرته، ولم يعلنوا بعد عن أسره، بما يعني أنه ربما هرب.

هل طلبوا منك التوجه الى سوريا ولبنان للبحث عنه . . ؟

ليس صراحة . . لكنهم أوحوا إلي أنه ربما التجأ الى أحد الكهوف الجبلية بسوريا في انتظار النجدة، أو أن إحدى المنظمات الفلسطينية المنشقة عن منظمة التحرير تحتفظ به سراً للمساومة عليه. ولما أنبأوني بأنهم يبحثون عمن يتقصى أخباره، طلبت منهم أن أقوم بنفسي بالمهمة، وعلى ذلك سمحوا لي بمغادرة تل أبيب الى فيينا بجواز سفري الإسرائيلي، والسفر الى بيروت من هناك كأردنية.

هل دربت على كيفية تقصي المعلومات للبحث عن زوجك . . ؟

لا . . هم فقط طلبوا مني الاحتراس والحذر.?

وكيف جندت بعد ذلك . . ؟

أنا لم أجند . . فقد استدعوني الى فيينا وتقابلت مع ثلاثة إسرائيليين من جهاز المخابرات، أقنعوني بأنهم جاءوا لتسهيل إجراءات إرث زوجي والتعويض الذي تقرر له.

صرف تعويض يعني أنه مات بالفعل. فعلام كان سفرك إذن لبيروت . . ؟

لم أكن أعرف ذلك بالضبط . لكنهم نصحوني بتقصي أخبار المنظمات الفلسطينية في بيروت فقد أستدل عليه.

تستدلين عليه في بيروت أم في دمشق . . ؟

من خلال المنظمات الفلسطينية في بيروت.

ضمانات الولاء

وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة. . ؟

لمدة شهر وأربعة أيام في فيينا علموني كيف أكتب الرسائل بالحبر السري، وأظهر الرسائل الواردة الي منهم، وأساليب التشفير والتصوير، وتلقط الأخبار والالتزام بالحس الأمني، وتحميض الأفلام والهرب من المراقبة، والتمييز بين الأسلحة وأساليب إثارة المتحدث ليفشي أسراره. واستقدموا لي من إسرائيل أحد الضباط المتخصصين في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام والأسماء والصور "الاعتراف بالتجسس واضح جداً هنا . . ".

إذن كان المطلوب منك تقصي أخبار الفلسطينيين وليس تقصي أخبار زوجك . . ؟

تقصي أخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات منهم عن موشيه. "وهنا كانت تحاول المراوغة".

هل حددوا لك مهام بعينها . . ؟

نعم . . طلبوا مني التحري عن مقار إقامة القادة الفلسطينيين، والتغلغل داخل رجال المقاومة لمعرفة أخبارهم.

ماذا كانوا يريدون بالضبط . . ؟

كانوا يريدون معرفة الطريق التي يسلكها الفدائيون للتسلل الى إسرائيل، وأعدادهم، وتدريبهم، وأسلحتهم، ومواعيد هجماتهم المرتقبة، وكذلك مخازن الأسلحة والإعاشة.

قلت إنهم هددوك في فيينا في مايو 1972 . . كيف . . ؟

قال لي أحدهم إنني الآن وحيدة لا حول لي، وأن المخابرات الأردنية تسعى ورائي، ولأنني أصبحت يهودية ومواطنة إسرائيلية، فهم سيعملون على حمايتي مهما كلفهم الأمر. فكان المطلوب مني أن أستغل هويتي الأردنية للسفر الى بيروت حيث لن يشك الفلسطينيون بي.

فوافقت على التعامل معهم من أجل حمايتك أم لإنهاء موضوع الإرث والتعويض . . ؟

من أجل حمايتي . . فقد كنت خائفة من المخابرات? الأردنية. "!!"

لذلك تسلمت أربعة آلاف دولار فقط من الموساد وتنفقين من جيبك كل تلك المدة . .؟

. . . . . (!!).?

أين تدربت على استعمال اللاسلكي . . ؟

في تل أبيب.?

متى . . ؟

في الفترة من 20 سبتمبر الى 3 أكتوبر 1973.?

من قام على تدريبك . . ؟

ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات.

هل 13 يوماً تكفي لتدريبك على استعمال اللاسلكي . . ؟

كان الجهاز تقنياً متقدماً جداً . . وبسيط في طريقة بثه وإرساله.

ما سر صفحات المصحف الناقصة . . ؟

كانت توجد مكانها أوراق الشفرة.?

كيف تعرفت بمارون ومانويل . . ؟

عرفتني عليهما خديجة زهران.

وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك . . ؟

تعرفت أولاً بمانويل ثم جائني بمارون بعد ذلك . .?

هل مارسا الجنس معك . . ؟

نعم . . وكان ذلك قبل أن يعملا معي.?

هل نصحك ضباط الموساد بذلك . . ؟

لا . . فعلت ذلك لأضمن ولاءهما لي.

هل خديجة زهران شريكة لك منذ البداية . . ؟

لا . . لم تكن تعرف بمهمتي إلا منذ فترة وجيزة. لكنها ساعدتني قبل ذلك عن غير قصد.

كم أنفقت على شركائك الثلاثة من أموال . . ؟

لا أدري كم بالضبط. لكن مارون تسلم مني ما يزيد عن الثلاثة آلاف ليرة قبلما ينضم لي.

تقصدين قبل أن يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد. وماذا قدم لك مارون . . ؟

عرفني بـ علي حسن سلامة، وجاءني بأرقام التليفونات السرية للزعماء الفلسطينيين.

كان يشاركه . وكان مارون مسؤولاً عنه.? ومانويل . . ؟

وما دور خديجة معك . . ؟

كانت تمدني ببعض المعلومات التي تجلبها من زوجات الضباط الفلسطينيين من المترددات على محلها.

امرأة بلا وطن

هل طلب منك رجال الموساد اغتياله . . ؟

لا . . مطلقاً. لم يطلبوا مني ذلك . لكنهم أمروني أن أوطد علاقتي به وأقوم بتصويره.

وهل فعلت ذلك . . ؟

نعم . . فهم كانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون في ذلك.

كم تقاضى منك أبو ناصر . . ؟

أبو ناصر . . ؟ إنه لا يعرف أي شيء. كنا أصدقاء فقط.?

هل مارس معك الجنس . . ؟

ثلاث مرات فقط ثم اختفى وعلمت بعد ذلك أنه سافر للعمل في قبرص.

من هم الأجانب الخمسة الذين ضاجعتهم . . ؟

إنهم رجال من جنسيات مختلفة يعملون للموساد، وكانوا يجيئون إلي ليتسلموا الأفلام والخرائط التي بحوزتي.

هل تدلينا عليهم . . ؟

أنا لا أعرف أسمائهم الحقيقية، فهم يتعاملون معي بأسماء حركية، ويتصلون بي دون أن أعرف مكانهم.

وأين كانت تتم لقاءاتكم الجنسية . . ؟

في شقتي ببيروت.
هل بينهم عرب . . ؟

مغربي قال لي إن اسمه عازار وكان يعيش في تطوان.

هل زرعت أجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات . . ؟

كانوا يفكرون في ذلك عندما كنت بإسرائيل . . لكنني لم أفعل.

ما الدور الذي قمت به لمحاولة اغتيال القائد أبو إياد في أكتوبر 1973؟

أبلغت الموساد عن الموقع العسكري الذي كان يتفقده، وقد كنت أحمل يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي، وأتابع عن قرب الطائرات الإسرائيلية وهي تضرب الموقع. "أجهشت بالبكاء" سيدي أبو الهول . . كنت لم أزل بعد غبية حمقاء، أجرمت في حق وطني وعروبتي . . وديني. وارتكبت أفظع الجرائم لأنني كنت مهددة . . شريرة لا وطن لي. لقد صدقتهم وآمنت بما كانوا يقولونه دون أن أحترز أو أفكر . . وأتحسس الطريق الصواب، ولم يكن أمامي سوى الانصياع لأوامرهم خوفاً على حياتي. فهم زرعوا الخوف بداخلي من المخابرات الاردنية . . لا . . بل ومن أجهزة المخابرات العربية كلها التي تطاردني لتغتالني، ولم يكن لي مأوى سوى في إسرائيل. هكذا أوهموني وأخافوني . . وكنت مغيبة الوعي لا أدري أين هي الحقيقة، أو لأي طريق أقاد.

سيدي . . لقد كنت أمدهم بالمعلومات ليس حباً في إسرائيل أو كراهية بالعرب، بل لأجل أن أضمن وطناً يأويني ويحميني، بعدما ضيعت نفسي بغبائي . . ووقعت أسيرة مؤامرة أحبكت إسرائيل حولي شباكها بمساعدة سارة وموشيه. "أمينة هنا تحاول كسب عطف المحقق ليس إلا".

. . كان هذا ملخصاً شديداً ومختاراً لملف استجواب أمينة المفتي، الذي احتوى على اعترافات تفصيلية بعملياتها في بيروت، وبأسماء رؤسائها في الموساد، ودور كل منهم في إعدادها وتوجيهها، وكذلك عن دور أعضاء شبكتها المحليين الثلاثة الذين عاونوها في مهمتها التجسسية. حيث انتهى التحقيق المبدئي معها الذي استمر ستة عشرة ساعة متواصلة، قبل انتهاء المهلة المتفق عليها بين أبو إياد ووزير الداخلية اللبناني بواحد وعشرون ساعة.

وفي صفحة منفصلة بمستهل الملف كتب العقيد أبو الهول : "الجاسوسة أمينة المفتي أُخضعت تماماً لسيطرة كاملة وقانعة بوجود زوجها موشيه حياً، وأنه أقدم على خداعها قصداً خمة للموساد".

لسعة الخوف

حمل العقيد أبو الهول ملف استجواب أمينة المفتي الى قائده أبو داود، الذي خطط بمهارة للإيقاع بها، وبدوره وضع الملف الساخن أمام ياسر عرفات ومساعده الأول أبو إياد لتقرير مصيرها . . امتعض أبو إياد أسفاً وقال:

يا لها من امرأة شريرة، لم تكتف بما فعلتهبنا فأرادت قتلى.

وربت على كتف رئيس مخابراته - علي حسن سلامة - وهو يقول:

نشكر الله على أنك وفقت في كشفها، فوجود حية كهذه بيننا كان سيكلفنا الكثير.

أما ياسر عرفات - أبو عمار - فقد علق قائلاً:

لن تكف إسرائيل عن زرع الخونة بين صفوفنا، فلا تأمنوا كل متطوع وافد، ولا تغرنكم حماسة الغرباء ، وقبل أن يشرق صباح الثالث عشر من سبتمبر 1975، كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف تخترق شوارع بيروت، بداخل كل منها خمسة مسلحين أشداء من رجال المخابرات الفلسطينية - رصد - في مهمة جد خطيرة. تتجه السيارة الأولى الى شارع الخرطوم حيث يقيم مارون الحايك، وتتجه الثانية الى شارع أرواد عند سوق الطويلة حيث مانويل عساف أما الثالثة فكانت تقصد منطقة باب إدريس لاعتقال خديجة زهران. لقد استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الإسعاف بغية إتمام مهامهم بسلام، في وقت كانت فيه بيروت أشبه بساحة حرب شاسعة، تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كل بقعة فيها، إذ تحولت بيروت من الحب الى الحرب، وصار وطن الجميع مذبح الجميع. وامتلأ وجه المدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة، التي بلغ عددها ما يزيد عن 39 تنظيماً. ففي بيروت الشرقية يتواجد الكتائب، ونمور الأحرار، وحراس الأرز، والطاشناق، والمردة. . الخ

وفي بيروت الغربية هناك المرابطون، ونسور الثورة، وحركة التحرير، وحركة صلاح الدين ، و . . طابور طويل من القبضايات المسلحة. لقد بدا أن التعايش الطائفي لم يكن سوى نزاع مستمر وتراكم خفي للأحقاد، انفجر بشكل مذهل، وجرى التسابق بين الطوائف من أجل السيطرة السياسية للعائلات الروحية. واستمر الخلط بين السياسة والدين في ذهنية الفرد والجماعة، وتحولت لبنان الى مارونية عند الموارنة، وشيعية عند الشيعة، وسنية عند السنة، ودرزية عند الدروز، وحتى آخر طائفة صغيرة في لبنان. أما الفلسطينيون . . فقد ظلوا بعيداً عن رحى الحرب الأهلية، وتشغلهم المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وتنظيم صفوفهم من أجل استمرار الكفاح، والبحث عن خونة استباحوا أسرارهم وباعوها لليهود.

وعندما وصلت السيارة الأولى لمنزل خديجة زهران، كانت هناك مفاجأة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة، إذ عثروا عندها على مانويل عساف عارياً في فراشها، لم ينتبه لصوت فتح الباب بخفة ووقوفهم على رأسه، بينما كانت سيدة البيت في الحمام، شغلها انسكاب الماء المنهمر على جسدها في البانيو عن معرفة ما يدور وراء الباب. لقد انهار مانويل لمرأى الرجال الخمسة، وأدرك في الحال ما جاءوا لأجله، أما خديحة فقد صرخت عندما فوجئت بأربعة منهم يسحبونها من حمامها الدافئ، ويسترون الجسد العاري بشال أحدهم. ويأمرونها بارتداء ملابسها على عجل. انتهز مانويل عساف انشغال الأربعة، وعرقل زميلهم الخامس وجرى مسرعاً الى شباك الغرفة، وقبل أن يتمكن من الإمساك به قذف بنفسه من الطابق الخامس.

ووجد بجوار المنزل منكفئاً على بطنه، يرتدي روباً أحمر بلا أزرار . . وجورباً قطنياً (!!) هكذا نأى بنفسه عن المصير الذي كان ينتظره . أما رفيقة مارون الحايك فقد استسلم خائراً وهو يرتجف رعباً وهلعاً، واقتيد مع خديجة زهران الى الجنوب بعيداً عن الحرب الأهلية، حيث الجوع والعطش . . وصراخات الخوف والندم بكهف السعرانة الموحش . . الرهيب.

عالم غريب . . غريب

انكمشت أمينة المفتي في ذعر عندما علق رفيقاها في الخيانة - مارون وخديجة - بسقف الكهف على مقربة منها، تنهال على جسديهما الكرابيج كالمطر، فيملأ صراخهما جوف الكهف، ويتموج صداه في تداخل يصم الآذان. لقد كان تعذيبهما بشدة أمراً حتمياً لقتل إرادتيهما، وللنأي بهما عن الكذب والمراوغة عند الاستجواب. فالمطلوب منهما هو الإفصاح عما نقلاه الى أمينة من معلومات، والاعتراف على آخرين تعاونوا معهما. سواء أكان ذلك عفوياً، أم بنية القصد والتعامل بأجر. أما أمينة التي تهتك جسدها بفعل التعذيب، فقد رأى القائد أبو داود حرمانها من النوم والطعام، ومنحها قطرات قليلة من الماء تبلل بها حلقومها المتشقق، لتعترف خلال الاستجواب الثاني المفصل، بكل ما نفته من أسرار ومعلومات الى الموساد، ليتمكن الفلسطينيون من تعديل خططهم واستراتيجيتهم على ضوء ما تم نقله للإسرائيليين، وكذا . . تحليل نوايا العدو ومقاصده. فالمتعارف عليه أن أجهزة المخابرات في العالم أجمع، تعيد استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات، دون الاكتفاء بمرة واحدة، إذ إن القصد من ذلك عصر العملاء وتفريغ ما بعقولهم، اعتماداً على الإرهاق البدني والمعنوي. فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عن الكثير من الأسرار والخبايا، ويظهر صدق الاعتراف من عدمه بتكرار الإجابات نفسها. فالعقل البشري مهما لقن من معلومات مكذوبة لن يستطيع ترديده مرات ومرات دون خطأ، لكن هناك حالات شاذة جداً لجواسيس استطاعوا التماسك، والإصرار على صدق ما ادعوه حتى النهاية.

أشهرهم على الإطلاق جاسوس الموساد في القاهرة "وولفجانج لوتز" الذي اعتقل عام 1965 هو وزوجته وأخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانه من الإحساس وبلوغه حد الجنون، لكنه صمد وأصر على القول إنه ألماني، ولم تتكتشف حقيقته إلا بعدما عرضت إسرائيل مبادلته بأسرى مصريين عام 1967.

لقد كان من المهم إعادة استجواب أمينة المفتي، خاصة بعد إخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق. فهي عميلة من نوع خاص، درست علم النفس وقرأت في فروع الفلسفة، بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراط التي كتبها أفلاطون، وتحفظ مقاطع كاملة من محاوره أقريطون، وضبطت لديها كتب لسارتر، وديكارت، وفريدريك نيتشه وآخرين غيرهم . . فكانت قراءاتها التي هي مزيج من الثقافات والاتجاهات، أداة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاء الألفاظ. لكن "أبو داود" الذي استعد لها جيداً، لم يكن ليصدق أبداً بعد ذلك، أن عميلة الموساد المدربة، والأكثر ثقافة وقدرة على الإقناع والمحاورة، استحضرت كل ما بجعبتها، وقذفت به أمامه دفعة واحدة، دون أن تدخر وسعاً لإخفاء أي شيء ولو كان تافهاً. ذلك لأنه أجاد بدراسته لشخصيتها، واختياره للأسلوب الأمثل هو ورجاله في التعامل معها، ألا وهو أسلوب الاقتناص الذي يعرف في عالم المخابرات بالمباغتة، ويعتمد على دراسة علم الأسباب اعتماداً كلياً وهذا المنحى في خطط استجواب الخونة الذي اتبعه أبو داود ورجاله في المخابرات الفلسطينية، يدل دلالة قوية على عمق وعي رجال مخابراتنا العربية، وقدرتهم الفائقة على استغلال العلوم النفسية المعقدة في عملهم الشاق، للتعامل مع شتى أنواع الخونة، والعملاء المهرة الذين تدربوا في أكاديمية الموساد. وبينما كانت خديجة زهران تدلي باعترافاتها، تفجرت مفاجأة عجيبة أدهشت ضباط رصد، عندما وقفوا على سر سقوطها في شبكة أمينة التجسسية

عاشق وطن
11-01-2007, 10:42 PM
اسمح لي على الاضافه

اختصرت على :)

يعطيك العافيه اخي الغالي AL Pacino