عاشق وطن
03-27-2008, 05:08 PM
بسمــ الله الرحمنــ الرحيم
لبنان وطن ذو وجه عربي... مسيحي
لبنان وطن ذو وجه عربي، يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب . من البيان الوزاري لحكومة
رياض الصلح في 7 تشرين الأول 1943.
في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ لبنان، وبعد خلو موقع رئاسة الجمهورية من رئيسه المسيحي منذ 24 تشرين الثاني 2008، وحيال امكانية ان يعقد الملوك والرؤساء العرب اجتماعاً لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في العاصمة السورية دمشق في 29 آذار 2008 بغياب رئيس للجمهورية اللبنانية، فان المسلمين اللبنانيين مدعوون، مرة اخرى، ليقفوا وجهاً لوجه مع التاريخ امام الوطن.
ان المسلمين اللبنانيين مطالبون اليوم، اكثر من اي يوم مضى، بالمناداة بلبنان وطناً ذا وجه مسيحي. بل ان هذا الاعلان يجب ان يكون مطلباً اسلامياً بالتحديد، نابعاً من الاقتناع الراسخ لدى العائلات الروحية الاسلامية بوجوب الابقاء على الوجه المسيحي للبنان.
فكما ان الخوف من فقدان الكيان اللبناني لانتمائه العربي 1943 شكل دافعاً لارتفاع الصوت المسيحي عالياً عبر "الميثاق الوطني" للتأكيد ان لبنان وطن ذو وجه عربي، كذلك فان الخشية اليوم من خسارة لبنان خصوصيته المسيحية ينبغي ان يكون حافزاً لارتفاع الصوت الاسلامي معلناً ان لبنان وطن ذو وجه مسيحي.
وهذا اقل الايمان بين ابناء الوطن الواحد.
وهو ليس بالأمر الغريب عن المبادئ الجوهرية في الدين الاسلامي، ولا عن الممارسات السياسية للخلافة الاسلامية عبر التاريخ، ولا عن التقاليد العربية في هذا الشرق. فلطالما سجل المسلمون في هذا المجال تفوقاً ثقافياً وحضارياً على الغرب المسيحي. والتاريخ المقارن حافل بالأمثلة.
فيما كان الخليفة عمر بن الخطاب (634 – 644) يتفقد برفقة البطريرك صفرونيوس معالم اورشليم القدس، بعد دخول الجيوش العربية اليها عام 638، ويبتعد بضع خطوات عن كنيسة القيامة ليصلي حتى لا يأتي المسلمون من بعده ويقولون هنا صلى عمر فيبنون مسجداً، كانت الامبراطورية الرومانية المسيحية تعتمد مبدأ Cujus regio ejurs religio وتعتبر ان دين الملك هو بالضرورة دين رعاياه ولا مجال للاعتراف بأي دين آخر داخل الامبراطورية.
وقد ظل هذا المبدأ سائداً في الممالك الاوروبية المسيحية طيلة القرون الوسطى، ثم عبر الاتفاقات والمعاهدات التي جرت بعد اندلاع الحروب الدينية في اوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، كاتفاق "سلام اوكسبورغ" Paix d'Augsbourg في العام 1555 الذي قسم الامبراطورية الجرمانية بين الكاثوليك واللوثريين، وكمعاهدة ويستفالي Traité de Westphalie في العام 1648 التي انهت "حرب الثلاثين سنة" La guerre de trente ans آخر الحروب الدينية بين الدول الاوروبية (1).
اما الاستثناء الوحيد في التاريخ الاوروبي لهذا المبدأ فقد حصل حين اصدر ملك فرنسا هنري الرابع Henri IV (1553 – 1610) في العام 1598 "مرسوم نانت" الشهير Edit de Nantes الذي بموجبه تم السماح للبروتستانت بممارسة شعائرهم الدينية في مناطق محددة داخل المملكة الفرنسية. فكانت المرة الاولى في اوروبا التي يعترف فيها بلد ما بحرية الاعتقاد الفردية للمواطنين، ويسمح بقبول رعايا ينتمون الى دين مختلف عن دين الملك (2).
إلا ان هذا الاستثناء لم يعم طويلاً، اذ ما لبث الملك لويس الرابع عشر Louis XIV (1638 – 1715) ان اصدر في العام 1685 مرسوماً قضى بالعدول عن "مرسوم نانت"، بالرغم من ان هذا المرسوم كان قد أعلن انه غير قابل للعدول عنه وقد صادق الملك لويس الرابع عشر عليه! (3).
واذ يكثر الحديث هذه الايام (عام 2008؟) عن حدث نشوء دولة "كوسوفو" Cosovo كثاني دولة مسلمة في اوروبا بعد البانيا (التي نالت استقلالها عن السلطنة العثمانية عام 1912)، وفي الوقت الذي تواجه فيه تركيا عقبات في وجه انضمامها الى المجموعة الاوروبية بسبب اختلاف الدين عن باقي الدول في هذه المجموعة، يجدر بنا في لبنان المباهاة بأنه، في ظل نظام الامارة اللبنانية، وفي عام 1770 تحديداً، التأم مجلس الاعيان في الباروك في الشوف وانتخب الأمير يوسف الشهابي أميراً على لبنان – وكان الأمير يوسف قد اعتنق واخوه قاسم المسيحية منذ بضع سنين – فتم ابلاغ الباب العالي بانتخابه، الذي لم يبد اي اعتراض. فثبت الأمير يوسف في امارته، وكانت المرة الاولى في التاريخ يحكم فيها أمير مسيحي تابع للسلطنة العثمانية رعايا مسلمين ومسيحيين (4). وهذا كان لفخر الاسلام والمسلمين.
ان الدين الاسلامي كان التربة الصالحة التي منها نبتت العروبة بمفهومها الثقافي والحضاري التي في بوتقتها تعايشت شعوب وديانات واعراق مختلفة، جلبت كل منها معها ارثها الآرامي والسرياني والفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي، فأينعت علوماً وأدباً وشعراً وفلسفة وحضارة زاهية حافظت على مشعل التقدم والتطور مرفوعاً طيلة فترة العصور المظلمة حين كانت بقية الحضارات تعاني انحطاطها.
ومن قلب هذه العروبة، كهوية حضارية وثقافية، انبثق المثال اللبناني في ارادة العيش المشترك بين عائلات روحية متنوعة. فالهوية العربية القابلة لتعدد الأديان هي الهوية التي تجمع المسيحيين ثقافياً وحضارياً مع اخوانهم المسلمين ضمن هذه البوتقة.
ومن هنا فان الاعتراف بوجه لبنان المسيحي لا يتعارض ولا يناقض وجه لبنان العربي، بل انه يكمله لأنه اساساً عنصر مكون له.
ان المسلمين اللبنانيين مدعوون، مرة اخرى، كما الملوك والرؤساء العرب المجتمعين في قمة دمشق في التاسع والعشرين من شهر آذار 2008، ليقفوا وجهاً لوجه مع ارثهم التاريخي، مفاخرين بوجه العالم ان لبنان وطن ذو وجه عربي مسيحي، يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب... كما من حضارة الشرق.
المراجع:
(1) Histoire universelle, T7, Carl Grimberg, Ed. Gérard & Co. Verviers, 1964, p. 163 – 164.
(2) Ibid, p. 36 – 37.
(3) Ibid, p. 333.
(4) Histoire du Liban contemporain, T1, 1860 – 1843, Denise Ammoun, Fayard, 1997, p. 45 – 46.
لبنان وطن ذو وجه عربي... مسيحي
لبنان وطن ذو وجه عربي، يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب . من البيان الوزاري لحكومة
رياض الصلح في 7 تشرين الأول 1943.
في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ لبنان، وبعد خلو موقع رئاسة الجمهورية من رئيسه المسيحي منذ 24 تشرين الثاني 2008، وحيال امكانية ان يعقد الملوك والرؤساء العرب اجتماعاً لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في العاصمة السورية دمشق في 29 آذار 2008 بغياب رئيس للجمهورية اللبنانية، فان المسلمين اللبنانيين مدعوون، مرة اخرى، ليقفوا وجهاً لوجه مع التاريخ امام الوطن.
ان المسلمين اللبنانيين مطالبون اليوم، اكثر من اي يوم مضى، بالمناداة بلبنان وطناً ذا وجه مسيحي. بل ان هذا الاعلان يجب ان يكون مطلباً اسلامياً بالتحديد، نابعاً من الاقتناع الراسخ لدى العائلات الروحية الاسلامية بوجوب الابقاء على الوجه المسيحي للبنان.
فكما ان الخوف من فقدان الكيان اللبناني لانتمائه العربي 1943 شكل دافعاً لارتفاع الصوت المسيحي عالياً عبر "الميثاق الوطني" للتأكيد ان لبنان وطن ذو وجه عربي، كذلك فان الخشية اليوم من خسارة لبنان خصوصيته المسيحية ينبغي ان يكون حافزاً لارتفاع الصوت الاسلامي معلناً ان لبنان وطن ذو وجه مسيحي.
وهذا اقل الايمان بين ابناء الوطن الواحد.
وهو ليس بالأمر الغريب عن المبادئ الجوهرية في الدين الاسلامي، ولا عن الممارسات السياسية للخلافة الاسلامية عبر التاريخ، ولا عن التقاليد العربية في هذا الشرق. فلطالما سجل المسلمون في هذا المجال تفوقاً ثقافياً وحضارياً على الغرب المسيحي. والتاريخ المقارن حافل بالأمثلة.
فيما كان الخليفة عمر بن الخطاب (634 – 644) يتفقد برفقة البطريرك صفرونيوس معالم اورشليم القدس، بعد دخول الجيوش العربية اليها عام 638، ويبتعد بضع خطوات عن كنيسة القيامة ليصلي حتى لا يأتي المسلمون من بعده ويقولون هنا صلى عمر فيبنون مسجداً، كانت الامبراطورية الرومانية المسيحية تعتمد مبدأ Cujus regio ejurs religio وتعتبر ان دين الملك هو بالضرورة دين رعاياه ولا مجال للاعتراف بأي دين آخر داخل الامبراطورية.
وقد ظل هذا المبدأ سائداً في الممالك الاوروبية المسيحية طيلة القرون الوسطى، ثم عبر الاتفاقات والمعاهدات التي جرت بعد اندلاع الحروب الدينية في اوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، كاتفاق "سلام اوكسبورغ" Paix d'Augsbourg في العام 1555 الذي قسم الامبراطورية الجرمانية بين الكاثوليك واللوثريين، وكمعاهدة ويستفالي Traité de Westphalie في العام 1648 التي انهت "حرب الثلاثين سنة" La guerre de trente ans آخر الحروب الدينية بين الدول الاوروبية (1).
اما الاستثناء الوحيد في التاريخ الاوروبي لهذا المبدأ فقد حصل حين اصدر ملك فرنسا هنري الرابع Henri IV (1553 – 1610) في العام 1598 "مرسوم نانت" الشهير Edit de Nantes الذي بموجبه تم السماح للبروتستانت بممارسة شعائرهم الدينية في مناطق محددة داخل المملكة الفرنسية. فكانت المرة الاولى في اوروبا التي يعترف فيها بلد ما بحرية الاعتقاد الفردية للمواطنين، ويسمح بقبول رعايا ينتمون الى دين مختلف عن دين الملك (2).
إلا ان هذا الاستثناء لم يعم طويلاً، اذ ما لبث الملك لويس الرابع عشر Louis XIV (1638 – 1715) ان اصدر في العام 1685 مرسوماً قضى بالعدول عن "مرسوم نانت"، بالرغم من ان هذا المرسوم كان قد أعلن انه غير قابل للعدول عنه وقد صادق الملك لويس الرابع عشر عليه! (3).
واذ يكثر الحديث هذه الايام (عام 2008؟) عن حدث نشوء دولة "كوسوفو" Cosovo كثاني دولة مسلمة في اوروبا بعد البانيا (التي نالت استقلالها عن السلطنة العثمانية عام 1912)، وفي الوقت الذي تواجه فيه تركيا عقبات في وجه انضمامها الى المجموعة الاوروبية بسبب اختلاف الدين عن باقي الدول في هذه المجموعة، يجدر بنا في لبنان المباهاة بأنه، في ظل نظام الامارة اللبنانية، وفي عام 1770 تحديداً، التأم مجلس الاعيان في الباروك في الشوف وانتخب الأمير يوسف الشهابي أميراً على لبنان – وكان الأمير يوسف قد اعتنق واخوه قاسم المسيحية منذ بضع سنين – فتم ابلاغ الباب العالي بانتخابه، الذي لم يبد اي اعتراض. فثبت الأمير يوسف في امارته، وكانت المرة الاولى في التاريخ يحكم فيها أمير مسيحي تابع للسلطنة العثمانية رعايا مسلمين ومسيحيين (4). وهذا كان لفخر الاسلام والمسلمين.
ان الدين الاسلامي كان التربة الصالحة التي منها نبتت العروبة بمفهومها الثقافي والحضاري التي في بوتقتها تعايشت شعوب وديانات واعراق مختلفة، جلبت كل منها معها ارثها الآرامي والسرياني والفارسي واليوناني والروماني والبيزنطي، فأينعت علوماً وأدباً وشعراً وفلسفة وحضارة زاهية حافظت على مشعل التقدم والتطور مرفوعاً طيلة فترة العصور المظلمة حين كانت بقية الحضارات تعاني انحطاطها.
ومن قلب هذه العروبة، كهوية حضارية وثقافية، انبثق المثال اللبناني في ارادة العيش المشترك بين عائلات روحية متنوعة. فالهوية العربية القابلة لتعدد الأديان هي الهوية التي تجمع المسيحيين ثقافياً وحضارياً مع اخوانهم المسلمين ضمن هذه البوتقة.
ومن هنا فان الاعتراف بوجه لبنان المسيحي لا يتعارض ولا يناقض وجه لبنان العربي، بل انه يكمله لأنه اساساً عنصر مكون له.
ان المسلمين اللبنانيين مدعوون، مرة اخرى، كما الملوك والرؤساء العرب المجتمعين في قمة دمشق في التاسع والعشرين من شهر آذار 2008، ليقفوا وجهاً لوجه مع ارثهم التاريخي، مفاخرين بوجه العالم ان لبنان وطن ذو وجه عربي مسيحي، يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب... كما من حضارة الشرق.
المراجع:
(1) Histoire universelle, T7, Carl Grimberg, Ed. Gérard & Co. Verviers, 1964, p. 163 – 164.
(2) Ibid, p. 36 – 37.
(3) Ibid, p. 333.
(4) Histoire du Liban contemporain, T1, 1860 – 1843, Denise Ammoun, Fayard, 1997, p. 45 – 46.