عاشق وطن
02-27-2008, 05:33 PM
بسمـ الله الرحمنـ الرحيمـ
رواية أوكسفورد لخافيير مارياس في العربية
توظيف واعٍ للتخييل الذاتي وصدام ثقافي بين جنوب الغرب وشماله
أوكسفورد مدينة تطحن الأنوات، تتسع للتراتبية الصارمة حيث تتواطأ هندسة البيوت الهرمية مع هرمية التعامل بين الأفراد. يقاربها الروائي المدريدي خافيير مارياس على هذا النحو، من منظار أستاذ إسباني شاب يفد الى "منفاه"، لتدريس الترجمة في جامعتها. يصل خافيير مارياس الى المدينة "الساكنة والمحفوظة في شراب السكر" من طريق رواية سمّاها "الأرواح كلها" وانتقت لها ناقلتها الى العربية، الشاعرة صباح الخراط زوين، عنوان "رواية أوكسفورد"، على غرار عنوانها بالفرنسية. وقدّمتها المترجمة أخيراً الى قرّاء العربية بترجمة أدبية راقية ومتقنة عن الأصل الاسباني.
"الأرواح كلها" إسم مرجعي في أوكسفورد وتحمله إحدى أبرز كلياتها، وعلى قول الروائي الاسباني ألفارو بومبو لمارياس نفسه، ينبغي لأي حكاية تدور في أوكسفورد وأياً يكن موضوعها، أن تنتقيه عنوانا. يحيل تعبير All Souls بالإنكليزية على أرواح الذين توفّوا في جامعة أوكسفورد، وهذا دليل إضافي على خروج المدينة على الزمان والمكان وعلى قاطنيها حتى، فتكاد تصير مرقد الأموات حصرا. بدءا من مطلع الرواية الصادرة أخيرا لدى "دار نوفل"، تطالعنا المواجهة اللافتة بين أنا الراوي والـ"هم"، ويلفت الازدراء الجلي الذي يحمله الأكاديمي لقاطني هذه البقعة الجغرافية، لنساء يحملن ابتسامة انكليزية "تفيض في السينما على أوجه القتلة المشهورين". يتقبل الراوي بصعوبة البعد الجغرافي عن إسبانيا ويرتبك في الانتماء الى مدينة مشرّعة على التقاعص، حيث يصير واقع العيش فيها أكثر حسما من أي واقع آخر. يتراءى مارياس حساسا أمام عزلة روّاد الغربة، فيخصص مقاطع كاملة لوصف سلة المهملات التي تصبح الشيء الوحيد الذي له "علاقة ثابتة" بالراوي. ويصل الى سأمه عبر جردة دقيقة لمحتوياتها التي تؤثث ساعات ضجره: وعاء اللبن المطعّم بالفاكهة الذي أكله عند الفطور، علبة الدخان وحزم ورق السيلوفان الذي لفّ به ثلاثة سندويشات، قشرة إجاصة وقد قتم لونها، وكرتونة الحليب وسواها. صدام هنتنغتون الحضاري الذائع الصيت بين الشرق والغرب، يتخذ في الرواية شكل الصدام بين جنوب الغرب وشمال الغرب. ذلك ان صعوبة تأقلم الاسباني في انكلترا، والفروق الاجتماعية بين شمال غني وشمال أغنى، تُرجعنا الى ما كتبته يوماً الروائية والصحافية الاسبانية روزا مونتيرو عن زيارتها الاولى للولايات المتحدة الاميركية، وكيف أنها صُدمت عندما سألها أحدهم إن كانت تشتاق لسيارتها! في أوكسفورد الهويات غبشة، ويعيش الجميع حالات انتقال. ثمة انتقال في "الانتماء" أولا، فالمبنى الذي يقطنه الراوي لا يحمل إسما انكليزيا وإنما لاتينيا هو "الانستيتوتو تايلوريانا". ثمة ثانيا انتقال زمني يعبّر عنه البوّاب ويل الذي يسافر ذهنيا في كل صباح الى يوم في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. من خلال هذا الفرار، يتحايلون على "المدينة غير المضيافة" المتروكة الى التقاليد والعادات المثقلة والمنتظمة في مجموعات مغلقة. فالراوي الذي لم يكن يوما عضوا في أي شيء في مدريد، صار خلال أشهر قليلة على إقامته الانكليزية، عضوا في الأخوية الاوكسفوردية بموجب وظيفته، وعضوا في "سانت انتوينز كولدج" وعضوا في "وادهام كولدج" وعضوا في "ماشن كومباني". النظام حاضر لجوج في الرواية، يحاول الراوي الخروج عليه وقهره بالتهكم. على هذا النحو يصير ارتداء ثوب الاساتذة الأسود فعلاً محتسب الهدف. فهيئته ترضي السياح الكثر الذين يلتقيهم، مصادفة، وتُشعره كذلك بأنه متنكّر. وهذا مريح في أوكسفورد التي تنبذ الشفافية، ويستوي فيها الخبث قاعدةً وملاذا. يرتكب الاستاذ الجامعي أعمالا شديدة الارتياب على المستوى الاخلاقي. رويدا، نلاحظ كقراء "تصاعدا" في انحدار الراوي المثقف، ذلك انه يستخدم ذكاءه المتقد وسعة خياله في أفعال سيئة، وأشد سوءاً. تبدو المعاناة في "رواية أوكسفورد"، محصلة طبيعية للمعرفة، بما ان الراوي يحسب نفسه مترفّعاً عن الأحاسيس البسيطة. يرتبط عاطفياً بكلير باينز المتزوجة، غير أنه لا يحلل تيمة الخيانة بل يضع نفسه خارج المعايير الاجتماعية. يظهر علنا مع عشيقته، ويعرجان على المتاحف والمطاعم بغية "التلصص" على حوارات لا تعنيهما. والأهم، أن الراوي يصنّف منذ البداية العلاقات (باستثناء علاقات القرابة) باعتبارها غير مثمرة ومن دون أهمية. يسمح لنفسه بالانزلاق الى لعبة تنطوي على قدر من المجازفة الاجتماعية، في حين يعمد الى تقزيم تبعات تصرفاته المتهورة، وأضرارها. هكذا يفترض مثلا انه كان لعشيقته عشاق آخرون وان "التنصت" عادة قائمة في انكلترا وخصوصا في مجتمع اوكسفورد الذي يحقّر معايير المجتمعات الأخرى، التافهة والمبتذلة. يعتبر علاقته بكلير ترياقا للسأم الذي يعانيه في اوكسفورد. لا يرغب في التزام من أي نوع، وينبغي للمرأة مساعدته فقط في تخطي هذه المرحلة العصيبة. منذ لحظة لقاءهما الاول، ينفي احتمال أن يتعلق بها. يشعر بأنها تعبر الى حقيقته، فهي تنظر اليه كأنها تعرف طفولته في مدريد أو حضرت في لغته أوقات لعبه مع إخوته وأوقات خوفه الليلي، غير أنه يواجهها برفض استباقي لما سيجمعهما: "من دون أن أعرفها بدت لي كأنها شخص بات جزءا من ماضيّ". يلتزم الراوي هذا المنحى بوضع مسافة بينهما، فيدلّ عليها باسمها الكامل "كلير بايز"، ونادرا بإسمها الأول، وكأنه ينفي أي حميمية قائمة بينهما رغم قربهما الجسدي. يصنّف نفسه "مستثمر كلير باينز"، لكنه مستثمر لا يبغي الأرباح الشخصية أو ترك أثر.
تتواتر في "رواية أوكسفورد" الوجوه واللقاءات. يقف الراوي في موقع المتفرج غير المعني بالتعلق العاطفي، غير أن ذلك لا ينفي التقاطه لما يحوطه من طريق نظرة ثاقبة ومتبصرة. يعمّ الاستطراد رواية مارياس، ما يمنح نثره مجالاً للتوقف عند تفاصيل الأمور. يكرر الراوي عبارة "سأتكلم عن (أمر ما) في وقت لاحق" ليتراءى خبيرا في تأجيل الملحّ وفي ترتيب الحوادث والذكريات والمشاعر، كما يلائمه. يتسم الراوي ببرودة قارصة، وهو يستنفدها الى حدودها القصوى في "رحلاته" التنقيبية في مكتبات أوكسفورد المخصصة للكتب القديمة. فهو يخشى على يديه من أن تتغبّرا بفعل "هوايته"، فلا يتردد الراوي "الشغوف" في وضع القفازات خلال بحثه عن مؤلفات نادرة. من خلال هذه الهواية، يوجّه مارياس تحيات أدبية في أكثر من اتجاه. يتحدث عن آرثر ماشن، الكاتب الانكليزي الذي اهتم به بورخيس، والوحيد الذي أعلن تفضيله لخندق فرنكو خلال الحرب الأهلية الاسبانية، ويعرّج على جون غاوثورث، والسير ريتشارد فرنسس برتن وسواهما. من الجائز اعتبار "رواية اوكسفورد" الصادرة في اسبانيا في 1989 أولى روايات خافيير مارياس توظيفا للتخييل الذاتي، النوع الأدبي الذي سيرتبط به بعدذاك. إبان نشرها، تدافعت التخمينات في شأنها. أصر البعض على الاضاءة على تقاطع منطقي بين ما يقوله الراوي ويسرده، وبين تجارب مارياس خلال إقامته في أوكسفورد. في الواقع، تعرّف الكاتب الى المدينة الانكليزية في ثمانينات القرن المنصرم ودرّس في جامعتها ليطارده بعدذاك مشهدها ونمطها. في "ظهر الزمن القاتم" (1998) التي استقى عنوانها من جملة أوردها في روايته الأخرى "غداً في المعركة فكّري فيَّ" (ومن مسرحية "ريتشارد الثالث" الشكسبيرية في الاساس)، تحدّث مارياس عن الشبه المزعوم، في "رواية أوكسفورد"، بين خياله وواقعه. ففي رأيه أن النقاد اندفعوا بعيدا في تحليلهم لقصته الأوكسفوردية، ونفى أن تكون، كما ألمحوا، "رواية-مفتاحا" تسرد، من خلف أقنعة تضليلية، حوادث واقعية وأشخاصا موجودين فعلا. أكد أن الضريبة التي يدفعها الروائيون تكمن في معاقبتهم على ما يقولونه وليس على ما يفعلونه. لسنا في صدد سيرة شخصية أو رواية مزيفة حتى. نحن إزاء تأمل راو- مفكر، يندفع في مسار إعادة تقويم ذاتي مستمر، يعبّر عنه من خلال تأويلات ترد بين هلالين. تُبرز هذه المحطات وعي الراوي المتقدم. ففي حين يروق لبعض الروائيين تسخير التاريخ في خدمة السرد، جعل خافيير مارياس راويه المثقف قادرا على جمع مستحيلين: ما يدركه، من جهة، أي عملياً كل شيء، وما يفعله، من جهة ثانية، أي لا شيء تقريباً.
من هو خافيير مارياس؟
ولد خافيير مارياس في العشرين من أيلول 1951، في شارع شابيري في مدريد. في تلك اللحظة أمسك والده بيده الضئيلة وشدّ عليها قبل أن يستقل الطائرة المتجهة الى الولايات المتحدة الاميركية. لم تروّعه رؤية الرضيع، غير ان نظام الجنرال فرنكو كان حظّر على الوالد الفيلسوف والأكاديمي خوليان مارياس، مزاولة التعليم في الجامعات الاسبانية بنتيجة خياراته الجمهورية. اضطر الى أن يقصد جامعة "ويلليسلي كولدج" حيث شغل منصب أستاذ زائر. التحقت به العائلة بعد شهور، وفي القارة الجديدة بدأ الطفل مارياس يتلقف الإشارات الرمزية: إقامة العائلة في منزل الشاعر خورخي غيين في ماساتشوستس، واستقرار الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، في الطبقة العلوية من المنزل، بعدما التحق هو الآخر بجامعة "ويلليسلي كولدج". في إحدى مقالاته اللاحقة، استعاد خافيير مارياس هذه المصادفات الموضعية، وتخيّل بنبرة التهكم أن صراخه الطفولي قد أقضّ مضجع نابوكوف، وحرمه النوم. راقت له مذذاك على ما يبدو الترتيبات الزمنية، فعقد العزم على أن يشرع في كتابة رواياته، في الثالث من شهر أيلول، حصرا. أما الشرارة الأولى فكانت في السابعة عشرة في باريس التي هرب اليها في غمرة تمرد المراهقة وكتب فيها روايته البكر "قدرات الذئب" التي نشرها في 1971. تبعتها رواية ثانية "مسار الأفق"، وهو لا يزال على مقاعد جامعة "كومبلوتينسي" في مدريد حيث نال إجازة في الفلسفة والآداب. امتهن أيضا الترجمة لقامات أدبية انغلوفونية من أمثال جوزف كونراد ووليم فوكنر وفلاديمير نابوكوف وسواهم. وقد شذبت هذه التجربة تخييله ومنحته أدوات الكتابة ليصير من بين أبرز الروائيين الإسبان حضورا في العالم. نقلت مؤلفاته الى 34 لغة ونشرت في أربعة وأربعين بلدا. في قافلة أعمال البدايات يلفت حضور راوٍ يتحدّث بضمير المتكلم ويتمتع بمقاربة مسننة لبيئته، في حين يستهويه الممنوع واللاشرعي. ومن طريق العناوين اللاحقة مثل "رواية أوكسفورد" (1989) و"قلب بهذا البياض" (1992) و"غداً في المعركة فكّري فيَّ" (1994) التي تعتبر من كلاسيكيات الآداب بالقشتالية، تكرّست مكانته الأدبية كروائيّ محوري أغوته أيضا القصة القصيرة كما في "خلال نومهن". رواية "رجل أحاسيس" محصلة لإقاماته المتلاحقة في برشلونة ثم باريس وأوكسفورد (بين 1983 و1985) وبوسطن (حيث أقام في منزل الطفولة) والبندقية (انتقل إليها لدواعٍ عاطفية). تغوص "رجل أحاسيس و"رواية أوكسفورد" في تيمة رجل وحيد ملقى في مدينة غريبة، غير أنه يراقب ويحلل ويصنّف. ورغم تسلل الأصدقاء أو النساء الى الحكاية، يحافظ مارياس على فرادة تتحكم بمواقف شخصياته الأثيرة. يشغل خافيير مارياس منذ 2006 المقعد "ر" في "الأكاديمية الملكية الاسبانية"، وهي أرفع المؤسسات اللغوية في العالم الناطق بالقشتالية. وهو كان المرشح الوحيد لهذا المنصب الذي استحقه بعد نيله تقديرات عدة في إسبانيا وخارجها، من بينها جائزة "ايرالدي" وجائزة "انيو فلايانو" الدولية وجائزة "مدينة برشلونة"، فضلاً عن جائزة النقد والجائزة الدولية للآداب IMPAC. يضاف الى ذلك عمله الصحافي الذي أثّر عميقا في التجربة الاعلامية في بلاده وفي أميركا اللاتينية، وصدرت مساهماته في صحيفة "ال بايس" ومجلة "ليتراس ليبريس" المكسيكية ومطبوعة "ال سيمانال" التي توقف عن التعاون معها بعدما أخضع نصه لمقصلة الرقابة، الضيقة البصيرة.
رواية أوكسفورد لخافيير مارياس في العربية
توظيف واعٍ للتخييل الذاتي وصدام ثقافي بين جنوب الغرب وشماله
أوكسفورد مدينة تطحن الأنوات، تتسع للتراتبية الصارمة حيث تتواطأ هندسة البيوت الهرمية مع هرمية التعامل بين الأفراد. يقاربها الروائي المدريدي خافيير مارياس على هذا النحو، من منظار أستاذ إسباني شاب يفد الى "منفاه"، لتدريس الترجمة في جامعتها. يصل خافيير مارياس الى المدينة "الساكنة والمحفوظة في شراب السكر" من طريق رواية سمّاها "الأرواح كلها" وانتقت لها ناقلتها الى العربية، الشاعرة صباح الخراط زوين، عنوان "رواية أوكسفورد"، على غرار عنوانها بالفرنسية. وقدّمتها المترجمة أخيراً الى قرّاء العربية بترجمة أدبية راقية ومتقنة عن الأصل الاسباني.
"الأرواح كلها" إسم مرجعي في أوكسفورد وتحمله إحدى أبرز كلياتها، وعلى قول الروائي الاسباني ألفارو بومبو لمارياس نفسه، ينبغي لأي حكاية تدور في أوكسفورد وأياً يكن موضوعها، أن تنتقيه عنوانا. يحيل تعبير All Souls بالإنكليزية على أرواح الذين توفّوا في جامعة أوكسفورد، وهذا دليل إضافي على خروج المدينة على الزمان والمكان وعلى قاطنيها حتى، فتكاد تصير مرقد الأموات حصرا. بدءا من مطلع الرواية الصادرة أخيرا لدى "دار نوفل"، تطالعنا المواجهة اللافتة بين أنا الراوي والـ"هم"، ويلفت الازدراء الجلي الذي يحمله الأكاديمي لقاطني هذه البقعة الجغرافية، لنساء يحملن ابتسامة انكليزية "تفيض في السينما على أوجه القتلة المشهورين". يتقبل الراوي بصعوبة البعد الجغرافي عن إسبانيا ويرتبك في الانتماء الى مدينة مشرّعة على التقاعص، حيث يصير واقع العيش فيها أكثر حسما من أي واقع آخر. يتراءى مارياس حساسا أمام عزلة روّاد الغربة، فيخصص مقاطع كاملة لوصف سلة المهملات التي تصبح الشيء الوحيد الذي له "علاقة ثابتة" بالراوي. ويصل الى سأمه عبر جردة دقيقة لمحتوياتها التي تؤثث ساعات ضجره: وعاء اللبن المطعّم بالفاكهة الذي أكله عند الفطور، علبة الدخان وحزم ورق السيلوفان الذي لفّ به ثلاثة سندويشات، قشرة إجاصة وقد قتم لونها، وكرتونة الحليب وسواها. صدام هنتنغتون الحضاري الذائع الصيت بين الشرق والغرب، يتخذ في الرواية شكل الصدام بين جنوب الغرب وشمال الغرب. ذلك ان صعوبة تأقلم الاسباني في انكلترا، والفروق الاجتماعية بين شمال غني وشمال أغنى، تُرجعنا الى ما كتبته يوماً الروائية والصحافية الاسبانية روزا مونتيرو عن زيارتها الاولى للولايات المتحدة الاميركية، وكيف أنها صُدمت عندما سألها أحدهم إن كانت تشتاق لسيارتها! في أوكسفورد الهويات غبشة، ويعيش الجميع حالات انتقال. ثمة انتقال في "الانتماء" أولا، فالمبنى الذي يقطنه الراوي لا يحمل إسما انكليزيا وإنما لاتينيا هو "الانستيتوتو تايلوريانا". ثمة ثانيا انتقال زمني يعبّر عنه البوّاب ويل الذي يسافر ذهنيا في كل صباح الى يوم في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. من خلال هذا الفرار، يتحايلون على "المدينة غير المضيافة" المتروكة الى التقاليد والعادات المثقلة والمنتظمة في مجموعات مغلقة. فالراوي الذي لم يكن يوما عضوا في أي شيء في مدريد، صار خلال أشهر قليلة على إقامته الانكليزية، عضوا في الأخوية الاوكسفوردية بموجب وظيفته، وعضوا في "سانت انتوينز كولدج" وعضوا في "وادهام كولدج" وعضوا في "ماشن كومباني". النظام حاضر لجوج في الرواية، يحاول الراوي الخروج عليه وقهره بالتهكم. على هذا النحو يصير ارتداء ثوب الاساتذة الأسود فعلاً محتسب الهدف. فهيئته ترضي السياح الكثر الذين يلتقيهم، مصادفة، وتُشعره كذلك بأنه متنكّر. وهذا مريح في أوكسفورد التي تنبذ الشفافية، ويستوي فيها الخبث قاعدةً وملاذا. يرتكب الاستاذ الجامعي أعمالا شديدة الارتياب على المستوى الاخلاقي. رويدا، نلاحظ كقراء "تصاعدا" في انحدار الراوي المثقف، ذلك انه يستخدم ذكاءه المتقد وسعة خياله في أفعال سيئة، وأشد سوءاً. تبدو المعاناة في "رواية أوكسفورد"، محصلة طبيعية للمعرفة، بما ان الراوي يحسب نفسه مترفّعاً عن الأحاسيس البسيطة. يرتبط عاطفياً بكلير باينز المتزوجة، غير أنه لا يحلل تيمة الخيانة بل يضع نفسه خارج المعايير الاجتماعية. يظهر علنا مع عشيقته، ويعرجان على المتاحف والمطاعم بغية "التلصص" على حوارات لا تعنيهما. والأهم، أن الراوي يصنّف منذ البداية العلاقات (باستثناء علاقات القرابة) باعتبارها غير مثمرة ومن دون أهمية. يسمح لنفسه بالانزلاق الى لعبة تنطوي على قدر من المجازفة الاجتماعية، في حين يعمد الى تقزيم تبعات تصرفاته المتهورة، وأضرارها. هكذا يفترض مثلا انه كان لعشيقته عشاق آخرون وان "التنصت" عادة قائمة في انكلترا وخصوصا في مجتمع اوكسفورد الذي يحقّر معايير المجتمعات الأخرى، التافهة والمبتذلة. يعتبر علاقته بكلير ترياقا للسأم الذي يعانيه في اوكسفورد. لا يرغب في التزام من أي نوع، وينبغي للمرأة مساعدته فقط في تخطي هذه المرحلة العصيبة. منذ لحظة لقاءهما الاول، ينفي احتمال أن يتعلق بها. يشعر بأنها تعبر الى حقيقته، فهي تنظر اليه كأنها تعرف طفولته في مدريد أو حضرت في لغته أوقات لعبه مع إخوته وأوقات خوفه الليلي، غير أنه يواجهها برفض استباقي لما سيجمعهما: "من دون أن أعرفها بدت لي كأنها شخص بات جزءا من ماضيّ". يلتزم الراوي هذا المنحى بوضع مسافة بينهما، فيدلّ عليها باسمها الكامل "كلير بايز"، ونادرا بإسمها الأول، وكأنه ينفي أي حميمية قائمة بينهما رغم قربهما الجسدي. يصنّف نفسه "مستثمر كلير باينز"، لكنه مستثمر لا يبغي الأرباح الشخصية أو ترك أثر.
تتواتر في "رواية أوكسفورد" الوجوه واللقاءات. يقف الراوي في موقع المتفرج غير المعني بالتعلق العاطفي، غير أن ذلك لا ينفي التقاطه لما يحوطه من طريق نظرة ثاقبة ومتبصرة. يعمّ الاستطراد رواية مارياس، ما يمنح نثره مجالاً للتوقف عند تفاصيل الأمور. يكرر الراوي عبارة "سأتكلم عن (أمر ما) في وقت لاحق" ليتراءى خبيرا في تأجيل الملحّ وفي ترتيب الحوادث والذكريات والمشاعر، كما يلائمه. يتسم الراوي ببرودة قارصة، وهو يستنفدها الى حدودها القصوى في "رحلاته" التنقيبية في مكتبات أوكسفورد المخصصة للكتب القديمة. فهو يخشى على يديه من أن تتغبّرا بفعل "هوايته"، فلا يتردد الراوي "الشغوف" في وضع القفازات خلال بحثه عن مؤلفات نادرة. من خلال هذه الهواية، يوجّه مارياس تحيات أدبية في أكثر من اتجاه. يتحدث عن آرثر ماشن، الكاتب الانكليزي الذي اهتم به بورخيس، والوحيد الذي أعلن تفضيله لخندق فرنكو خلال الحرب الأهلية الاسبانية، ويعرّج على جون غاوثورث، والسير ريتشارد فرنسس برتن وسواهما. من الجائز اعتبار "رواية اوكسفورد" الصادرة في اسبانيا في 1989 أولى روايات خافيير مارياس توظيفا للتخييل الذاتي، النوع الأدبي الذي سيرتبط به بعدذاك. إبان نشرها، تدافعت التخمينات في شأنها. أصر البعض على الاضاءة على تقاطع منطقي بين ما يقوله الراوي ويسرده، وبين تجارب مارياس خلال إقامته في أوكسفورد. في الواقع، تعرّف الكاتب الى المدينة الانكليزية في ثمانينات القرن المنصرم ودرّس في جامعتها ليطارده بعدذاك مشهدها ونمطها. في "ظهر الزمن القاتم" (1998) التي استقى عنوانها من جملة أوردها في روايته الأخرى "غداً في المعركة فكّري فيَّ" (ومن مسرحية "ريتشارد الثالث" الشكسبيرية في الاساس)، تحدّث مارياس عن الشبه المزعوم، في "رواية أوكسفورد"، بين خياله وواقعه. ففي رأيه أن النقاد اندفعوا بعيدا في تحليلهم لقصته الأوكسفوردية، ونفى أن تكون، كما ألمحوا، "رواية-مفتاحا" تسرد، من خلف أقنعة تضليلية، حوادث واقعية وأشخاصا موجودين فعلا. أكد أن الضريبة التي يدفعها الروائيون تكمن في معاقبتهم على ما يقولونه وليس على ما يفعلونه. لسنا في صدد سيرة شخصية أو رواية مزيفة حتى. نحن إزاء تأمل راو- مفكر، يندفع في مسار إعادة تقويم ذاتي مستمر، يعبّر عنه من خلال تأويلات ترد بين هلالين. تُبرز هذه المحطات وعي الراوي المتقدم. ففي حين يروق لبعض الروائيين تسخير التاريخ في خدمة السرد، جعل خافيير مارياس راويه المثقف قادرا على جمع مستحيلين: ما يدركه، من جهة، أي عملياً كل شيء، وما يفعله، من جهة ثانية، أي لا شيء تقريباً.
من هو خافيير مارياس؟
ولد خافيير مارياس في العشرين من أيلول 1951، في شارع شابيري في مدريد. في تلك اللحظة أمسك والده بيده الضئيلة وشدّ عليها قبل أن يستقل الطائرة المتجهة الى الولايات المتحدة الاميركية. لم تروّعه رؤية الرضيع، غير ان نظام الجنرال فرنكو كان حظّر على الوالد الفيلسوف والأكاديمي خوليان مارياس، مزاولة التعليم في الجامعات الاسبانية بنتيجة خياراته الجمهورية. اضطر الى أن يقصد جامعة "ويلليسلي كولدج" حيث شغل منصب أستاذ زائر. التحقت به العائلة بعد شهور، وفي القارة الجديدة بدأ الطفل مارياس يتلقف الإشارات الرمزية: إقامة العائلة في منزل الشاعر خورخي غيين في ماساتشوستس، واستقرار الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، في الطبقة العلوية من المنزل، بعدما التحق هو الآخر بجامعة "ويلليسلي كولدج". في إحدى مقالاته اللاحقة، استعاد خافيير مارياس هذه المصادفات الموضعية، وتخيّل بنبرة التهكم أن صراخه الطفولي قد أقضّ مضجع نابوكوف، وحرمه النوم. راقت له مذذاك على ما يبدو الترتيبات الزمنية، فعقد العزم على أن يشرع في كتابة رواياته، في الثالث من شهر أيلول، حصرا. أما الشرارة الأولى فكانت في السابعة عشرة في باريس التي هرب اليها في غمرة تمرد المراهقة وكتب فيها روايته البكر "قدرات الذئب" التي نشرها في 1971. تبعتها رواية ثانية "مسار الأفق"، وهو لا يزال على مقاعد جامعة "كومبلوتينسي" في مدريد حيث نال إجازة في الفلسفة والآداب. امتهن أيضا الترجمة لقامات أدبية انغلوفونية من أمثال جوزف كونراد ووليم فوكنر وفلاديمير نابوكوف وسواهم. وقد شذبت هذه التجربة تخييله ومنحته أدوات الكتابة ليصير من بين أبرز الروائيين الإسبان حضورا في العالم. نقلت مؤلفاته الى 34 لغة ونشرت في أربعة وأربعين بلدا. في قافلة أعمال البدايات يلفت حضور راوٍ يتحدّث بضمير المتكلم ويتمتع بمقاربة مسننة لبيئته، في حين يستهويه الممنوع واللاشرعي. ومن طريق العناوين اللاحقة مثل "رواية أوكسفورد" (1989) و"قلب بهذا البياض" (1992) و"غداً في المعركة فكّري فيَّ" (1994) التي تعتبر من كلاسيكيات الآداب بالقشتالية، تكرّست مكانته الأدبية كروائيّ محوري أغوته أيضا القصة القصيرة كما في "خلال نومهن". رواية "رجل أحاسيس" محصلة لإقاماته المتلاحقة في برشلونة ثم باريس وأوكسفورد (بين 1983 و1985) وبوسطن (حيث أقام في منزل الطفولة) والبندقية (انتقل إليها لدواعٍ عاطفية). تغوص "رجل أحاسيس و"رواية أوكسفورد" في تيمة رجل وحيد ملقى في مدينة غريبة، غير أنه يراقب ويحلل ويصنّف. ورغم تسلل الأصدقاء أو النساء الى الحكاية، يحافظ مارياس على فرادة تتحكم بمواقف شخصياته الأثيرة. يشغل خافيير مارياس منذ 2006 المقعد "ر" في "الأكاديمية الملكية الاسبانية"، وهي أرفع المؤسسات اللغوية في العالم الناطق بالقشتالية. وهو كان المرشح الوحيد لهذا المنصب الذي استحقه بعد نيله تقديرات عدة في إسبانيا وخارجها، من بينها جائزة "ايرالدي" وجائزة "انيو فلايانو" الدولية وجائزة "مدينة برشلونة"، فضلاً عن جائزة النقد والجائزة الدولية للآداب IMPAC. يضاف الى ذلك عمله الصحافي الذي أثّر عميقا في التجربة الاعلامية في بلاده وفي أميركا اللاتينية، وصدرت مساهماته في صحيفة "ال بايس" ومجلة "ليتراس ليبريس" المكسيكية ومطبوعة "ال سيمانال" التي توقف عن التعاون معها بعدما أخضع نصه لمقصلة الرقابة، الضيقة البصيرة.